بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و كفى، و سلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى، و آله المستكملين الشرفا، أما بعد:
فكيف تعرف صديقك ؟ و كيف تتأكد من أن من صديقك هذا هو من يستحق صحبتك ؟ ربما يقول أحدهم إذا سألته عن صديقه، فيقول: صديقي هو الذي وجدته بجانبي منذ كنت صغيراً، و كبرنا سوياً، هو الذي أجده دائما إلى جانبي في كل المواقف، في السراء و الضراء، الذي يجيب لي ما أطلبه منه، الذي يحبني، ... وهكذا، و يستمر في ذكر مثل هذه الصفات ،،، و ربما قال: هو الذي أخرج معه في كل مكان، , و نسمع الأغاني معاً، و نذهب للحفلات معاً، و نلعب و نلهو معاً، و نفعل و نفعل معاً، ...
و لكن ماذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في شأن الصديق؟ فيما رواه أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمَّا أنْ يُحذيَك، وإمَّا أنْ تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحاً طيِّبة، ونافخ الكير إمَّا أن يُحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد ريحاً خبيثة" رواه البخاري.
ولأهمِّيَّة الصحبة أو العشرة أو الأخوَّة، فقد اختصَّها رسولنا صلى الله عليه وسلم بكثيرٍ من أحاديثه الشريفة التي ورد ذكرها في كلِّ كتب ومصنَّفات الحديث والسنَّة النبويَّتين، كما أفرد لها علماء السلف والخلف المؤلَّفات والكتب، تأكيداً على أهمِّيَّتها في عمليَّة الهدم والبناء، وفي الأمثال: "قل لي من تعاشر أقل لك من أنت".
وللأهمِّيَّة التي يلعبها الخليل في حياة المرء، فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حسن الاختيار، حيث قال: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"رواه أبو داود والترمذيّ، بسندٍ حسن.
و على هذا، فإن الصديق الحقيقي، هو الذي يذكرك بالله، و يحبك فالله، فتجتمعان عليه و تتفرقان عليه، و يذكرك بالصلاة، و يأمرك بالمعروف و ينهاك عن المنكر، و يقبل نُصحك إذا نصحتَّه، و يدعوك لفعل الخير، و حلقات القرآن التي تحفها الملآئكة، و دروس العلم، و غير ذلك من أوجه البر الكثيرة.
وأما الصديق الآخر، الذي لا يذكرك بالله، و لا يذكرك بالصلاة، ولا ينهاك عن المنكر، بل و ربما إذا أردت الذهاب للمسجد بدأ يوسوس لك حتى يلهيك عن وقت الصلاة، و لا يزال يوسوس لك حتى يضيع الوقت منك، و إذا نهيته عن منكرٍ يفعله يعود فيوسوس لك قائلاً:" يا أخي هذا ليس منكراً" أو يقول :"نفعله هذه المرة فقط ثمَّ نتوب"... أولئك الذين قال الله في شأن من اتخذهم أصدقاء { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً } الفرقان 27-29
أخي في الله، فلتراجع قائمة أصدقائك الآن، و قرر من منهم يستحق أن يكون صديقك، و من منهم سوف تتخلص منه اليوم قبل أن تعضَّ على يديك، و تندم يوم لا ينفع الندم، و كن أنت للأصدقاء هذا الصديق الذي يذكرهم بالله دائماً، و يتقي الله فيهم حتى يتقوا الله فيك.
أسأل العلي العظيم، ربَّ العرش الكريم، أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون فأحسنه، وأن يعلمنا ما ينفعنا و ينفعنا بما علمنا، إنه وليُّ ذلك و القادر عليه.
المصادر:
{ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }
